* هذا مقال مُساهَم به. لم يشارك فريق أخبار IBTimes في إعداد هذا المقال، ولا يعبّر هذا المحتوى بالضرورة عن آراء IBTimes. عند الشراء عبر الروابط الموجودة في موقعنا، قد نحصل على عمولة تابعة (affiliate). يمكنكم الاطلاع على الشروط والأحكام الخاصة بنا هنا. للحصول على ترخيص، يرجى الضغط هنا.
حاييم غولدبرغ/فلاش 90
حاييم غولدبرغ/فلاش 90

يحاول عوفر فينتر خوض مسار شكّل السياسة الإسرائيلية على مدى أجيال: الانتقال من القيادة العسكرية إلى القيادة المنتخبة. فقد أطلق العميد المتقاعد في الجيش الإسرائيلي حزب «عمخا يسرائيل» في أغسطس 2026، مقدماً منصة سياسية يمينية جديدة بعد مسيرة عسكرية امتدت 34 عاماً. وبالنسبة إلى فينتر، يفتح هذا الانتقال فصلاً عاماً ثانياً في حياته؛ أما الناخبون الإسرائيليون، فأصبح أمامهم اسم جديد في نقاش مكتظ حول الأمن القومي والمساءلة السياسية واتجاه البلاد بعد هجمات 7 أكتوبر 2023 التي قادتها حركة حماس.

ليس صعود ضابط سابق إلى السياسة أمراً غير مألوف في إسرائيل. لكن ما يميز تجربة عوفر فينتر هو اجتماع هويته الدينية، وسمعته في ساحات القتال، والجدل الذي رافق مسيرته، وقراره تأسيس حزب بدلاً من الانضمام إلى تنظيم سياسي قائم. ويطرح هذا المزيج أسئلة تتجاوز السياسات نفسها إلى طبيعة القيادة: ما الذي يمكن أن تضيفه المسيرة العسكرية إلى العمل السياسي؟ وما الجوانب السياسية التي لا يمكن اكتسابها عبر القيادة العسكرية؟

يركز أنصار فينتر على خبرته القتالية وقيادته في المناصب العليا، بينما يدقق منتقدوه في الجدل الذي أحاط بماضيه، وتداعيات مقترحاته الأمنية، ونتائج خوض حزب يميني صغير الانتخابات في ظل القواعد الانتخابية الإسرائيلية. ويتطلب تقديم صورة كاملة النظر إلى المنظورين معاً، فضلاً عن الفصل بين جاذبية السيرة الشخصية لأي قائد والعمل التفصيلي للحكم.

مسيرة عسكرية طبعتها القيادة

أمضى عوفر فينتر أكثر من ثلاثة عقود في الجيش الإسرائيلي قبل دخوله العمل الحزبي. وُلد عام 1971 في شمال إسرائيل، ونشأ في كريات آتا، وسلك مساراً تعليمياً ارتبط بالصهيونية الدينية والخدمة العسكرية. التحق بالجيش عام 1990، وخدم في وحدات نخبوية بينها «سييرت متكال» و«ماغلان»، قبل أن يتقدم إلى مناصب قيادية جعلته معروفاً على نحو متزايد للرأي العام.

تولى فينتر لاحقاً قيادة لواء غيفعاتي، وهو أحد أبرز ألوية المشاة، خلال حرب غزة عام 2014. ثم شغل منصب السكرتير العسكري لوزير الدفاع، وتولى قيادة الفرقة 98. وقد وضعته هذه الأدوار في مستويات مختلفة من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية: المستوى العملياتي للجنود الذين يعملون تحت النيران، والمستوى التنظيمي لقيادة الفرق، والواجهة السياسية ـ العسكرية التي تصل عندها التوصيات الأمنية إلى صانعي القرار المدنيين.

وتكتسب هذه الفوارق أهمية خاصة. فالقائد العسكري يتخذ قرارات تحت ضغط العمليات، بينما يتعين على وزير الدفاع موازنة التوصيات العسكرية مع القيود الدبلوماسية والموارد الاقتصادية والمسؤوليات السياسية. وقد أتاحت مسيرة فينتر له العمل في البيئتين، لكنها لم تمنحه سجلاً سابقاً مشرّعاً منتخباً. ويشكل هذا الاختلاف محورياً في تقييم انتقاله إلى السياسة.

كما رافق خدمته العسكرية جدل واسع. ففي حرب 2014، استخدم فينتر لغة دينية صريحة في رسالة إلى الجنود، ما أثار نقاشاً حول دور الإيمان في جيش يخدم بلداً متنوعاً دينياً وعرقياً. كذلك خضعت العمليات العسكرية في رفح للتدقيق بسبب الأضرار التي لحقت بالمدنيين. وظل فينتر شخصية حاضرة في النقاشات العامة حول مهمة الجيش وهويته الدينية واستخدام القوة. ويتعين على أي عرض جاد لمسيرته السياسية أن يتناول هذه الخلافات إلى جانب خبرته القيادية.

7 أكتوبر غيّر الأسئلة السياسية

أعادت هجمات 7 أكتوبر 2023 التي قادتها حماس تشكيل النقاش الإسرائيلي حول الأمن القومي. فقد خضعت التقديرات الاستخبارية، والدفاعات الحدودية، والاستجابة الطارئة، والعلاقة بين الحكومة والمؤسسة الأمنية للتدقيق. كما دفعت الهجمات النقاش العام نحو سؤال أوسع: ما نوع القيادة والمساءلة المؤسسية المطلوبة بعد مثل هذا الإخفاق؟

جاء دخول فينتر إلى السياسة في هذا السياق. فهو لم يكن مسؤولاً منتخباً عن سياسة الحكومة تجاه غزة، لكن هويته العامة ارتبطت بصورة وثيقة بالعمليات العسكرية وبالتوقعات من قيادة حاسمة. ومع احتدام الجدل في إسرائيل حول الافتراضات التي قامت عليها عقيدتها الأمنية قبل الحرب، طرح فينتر استجابته الخاصة: نهج أكثر استباقية في مواجهة التهديدات، وتركيز أكبر على ما يسميه النتائج الحاسمة.

وأصبح التباين بين الاحتواء والمبادرة جزءاً متكرراً من خطابه السياسي. غير أن هذه المفاهيم لا تتحول إلى سياسات تلقائياً؛ فالعمليات الوقائية تعتمد على الثقة في المعلومات الاستخبارية، والتناسب، والجدوى العملياتية، واحتمالات التصعيد. والاختبار العملي لأي عقيدة من هذا النوع هو كيفية تطبيقها في مواقف حقيقية، لا وقعها وحده في خطاب انتخابي.

كما أدت الكارثة إلى تجدد المطالب بإجراء تحقيق وطني مستقل. واقترح حزب فينتر نموذجاً خاصاً للجنة تحقيق، يضم قيادة قضائية وأعضاء متخصصين وتمثيلاً عن العائلات المتضررة. ويمثل هذا المقترح طرحاً ضمن نقاش متنازع عليه حول إمكان التوفيق بين مشاركة الكنيست في التعيينات واستقلال التحقيق. وستتوقف قيمة النموذج على الصلاحيات القانونية والضمانات وقواعد المساءلة التي ستتضمنها الآلية النهائية.

إطلاق حزب «عمخا يسرائيل»

أطلق عوفر فينتر حزب «عمخا يسرائيل» في القدس يوم 25 أغسطس 2026. ويحيل الاسم إلى الإحساس بالانتماء إلى الشعب الإسرائيلي، فيما وضع الحزب الجديد العميد السابق على رأس قائمة انتخابية تضم شخصيات من خلفيات عسكرية وإعلامية وبلدية وقانونية ونشطاء في العمل المدني.

وكان قرار تأسيس حزب مستقل مهماً بقدر أهمية إطلاقه نفسه. فالنظام النسبي في إسرائيل يسمح للتنظيمات السياسية الجديدة بخوض الانتخابات الوطنية، لكن يتعين على الأحزاب الحصول على 3.25 في المئة على الأقل من الأصوات الصحيحة لدخول الكنيست المؤلف من 120 مقعداً. ويضع ذلك حداً حاداً أمام القوائم الصغيرة؛ فقد يبدو تنظيم يقترب من نسبة الحسم قريباً من الحصول على تمثيل في استطلاع، وأدنى منها في استطلاع آخر.

وأثار تحرك فينتر رداً من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، حذر فيه من أن تعدد الأحزاب الصغيرة على اليمين قد يؤدي إلى تشتيت الأصوات والإضرار بتمثيل المعسكر في الكنيست. وتمسك فينتر بأن خوض الانتخابات بقائمة مستقلة مبرر بسبب التزاماتها السياسية والحاجة إلى تمثيل بديل. ولا يقتصر هذا الجدل على حزبه، بل يعكس توتراً بنيوياً بين التعددية والتنسيق الانتخابي الاستراتيجي في الديمقراطيات القائمة على الائتلافات.

وساعدت قائمة المرشحين على تمييز «عمخا يسرائيل» عن حزب تقليدي يتمحور حول مشرّعين أمضوا سنوات طويلة في البرلمان. فقد حل يوسف حداد، وهو مسيحي عربي إسرائيلي ومحارب قديم في الجيش أصيب خلال خدمته ومعروف بدفاعه عن إسرائيل، في المرتبة الثانية. وضمت الأسماء الأخرى التي أُعلنت عند الإطلاق الصحفية نتالي شيم طوف، ونائبة رئيس بلدية القدس السابقة فلور حسن ـ نحوم، والمحامي إران بن آري، ومرشحين طبعت حياتهم الخدمة العسكرية أو فقدان ذويهم بعد الحرب.

ويعكس هذا التشكيل محاولة لربط السلطة السياسية بتجارب من خارج البرلمان. لكنه يطرح أيضاً سؤالاً حول مدى الانسجام: هل يستطيع أشخاص من خلفيات وأولويات عامة مختلفة العمل كفريق تشريعي موحد؟ فتنوع القائمة لا يثبت بمفرده وجود برنامج حكم مشترك، بل يتعين إثبات ذلك من خلال تفاصيل السياسات والأداء البرلماني مستقبلاً.

الخدمة العسكرية كخط انقسام سياسي

تتعلق إحدى أبرز أولويات فينتر السياسية بتوزيع أعباء الخدمة العسكرية. فقد تصاعد الجدل المستمر في إسرائيل بشأن تجنيد الرجال اليهود الحريديم بعد 7 أكتوبر، مع تسبب طول فترات خدمة الاحتياط في ضغوط على الجنود والأسر وأصحاب الأعمال والاقتصاد الوطني.

ودعا فينتر إلى تجنيد فعلي للرجال الحريديم، مع فرض عواقب على غير الممتثلين ومنح مزايا أكبر لمن يؤدون الخدمة. وقال أيضاً إنه قد يدخل حكومة تضم أحزاباً حريدية إذا جرى التوصل إلى ترتيب مقبول للتجنيد. ويبرز هذا الموقف الفرق بين رفض شركاء محتملين في الائتلاف والإصرار على شرط تشريعي.

وبالنسبة إلى فينتر، تشكل القضية صلة بين القيادة العسكرية والسياسة الاجتماعية. لكن أي تشريع سيتعين عليه الإجابة عن أسئلة تقنية عديدة: كيف تُعرّف الإعفاءات؟ وكيف سيدرب الجيش الأفراد الجدد ويستوعبهم؟ وما العقوبات التي ستكون قانونية وقابلة للتنفيذ؟ وكيف سيُعامل المواطنون غير القادرين على الخدمة؟ كما سيتعين أن يأخذ في الاعتبار التكاليف الاقتصادية للخدمة والضمانات المطلوبة لحماية الحرية الدينية والمساواة.

وتهم هذه الأسئلة الجمهور بعيداً عن الشعارات الأيديولوجية. فاستدعاء جنود الاحتياط قد يعطل المسارات المهنية والأعمال الصغيرة، بينما يفرض التجنيد الإضافي أعباء جديدة على البنية التحتية للتدريب والميزانيات. ومن ثم، ينبغي تقييم أي خطة موثوقة ليس فقط وفق عدد الأشخاص الذين تسعى إلى تجنيدهم، بل أيضاً وفق آثارها العملياتية والمالية.

السياسات الأمنية وتداعياتها

يعرّف «عمخا يسرائيل» نفسه بأنه حزب ينتمي إلى اليمين القومي، ويرفض إقامة دولة فلسطينية، ويدعو إلى نهج أمني حازم. كما أيد فينتر علناً مقترحاً يقدَّم بوصفه «هجرة طوعية» من غزة. وتشكل هذه المواقف عناصر مهمة في برنامج الحزب، وتحمل تداعيات تتجاوز السياسة الداخلية الإسرائيلية.

وتكتسب مسألة الهجرة حساسية خاصة. فأي برنامج يتعلق بمدنيين تضرروا من حرب طويلة سيتعين فحصه من حيث توافر الموافقة الحقيقية، وغياب الإكراه، ومشروعية الظروف، وواقعية ترتيبات الاستقبال. ويحظر القانون الدولي الإنساني النقل القسري أو ترحيل المدنيين المشمولين بالحماية، مع استثناءات محدودة. ولا يحسم وصف العملية بأنها «طوعية» بمفرده الأسئلة القانونية أو الأخلاقية.

وبالمثل، يتعين على أي نهج يركز على المبادرة العسكرية أن يواجه العلاقة بين المكاسب التكتيكية والنتائج السياسية النهائية. فالعمليات العسكرية قد تغير الظروف على الأرض، لكن الأمن المستدام يعتمد أيضاً على الاستخبارات وحماية المدنيين والدبلوماسية وقدرة المؤسسات على تنفيذ القرارات بصورة متسقة.

ويرى أنصار فينتر أن خلفيته العملياتية تمثل خبرة مهمة في التعامل مع هذه المعضلات. بينما يتساءل منتقدوه عما إذا كانت النظرة المتمحورة حول ساحة القتال تتيح مساحة كافية للضمانات القانونية والدبلوماسية والإدارة بعيدة المدى. ولا يحسم أي من الرأيين المسألة. أما التقييم الأكثر فائدة، فيسأل عن الأهداف الدقيقة التي تسعى المقترحات إلى تحقيقها، والأدوات التي ستُستخدم، والأدلة التي ستثبت نجاحها أو فشلها.

الدين والهوية والناخبون الأوسع

فينتر شخصية متدينة بشكل معلن، ولا يزال انتماؤه إلى خلفية تعليمية صهيونية دينية جزءاً من هويته العامة. وقد ربط التقاليد اليهودية بأفكار المسؤولية والخدمة. غير أن دور الدين في المؤسسات العسكرية والعامة جعل هذه الهوية مثاراً للجدل في بعض الأحيان.

ويؤدي خوض الانتخابات إلى توسيع دائرة الأشخاص الذين يتعين عليه شرح مواقفه لهم. فالمجتمع الإسرائيلي يضم يهوداً من تقاليد دينية مختلفة، وإسرائيليين علمانيين، ومواطنين عرباً، ومجموعات أخرى. ومن ثم، يواجه أي برنامج يستند إلى هوية قومية يهودية أسئلة مستمرة بشأن الشمول المدني والمساواة في المعاملة.

ويمثل اختيار حداد مرشحاً ثانياً في القائمة إحدى السمات اللافتة في هذا النقاش. فتجربة حداد ونشاطه العلني يظهران أن دعم إسرائيل والخدمة العسكرية لا يقتصران على المواطنين اليهود. لكن إدراج مرشح واحد لا يجيب بمفرده عن الأسئلة المتعلقة بحقوق الأقليات ومكانتها. وتتطلب الإجابة مواقف واضحة من التشريعات والخدمات العامة وتوزيع موارد الدولة.

كما يتطلب الانتقال من القيادة العسكرية إلى السياسة أسلوباً مختلفاً من المساءلة. فالقرارات العسكرية تُتخذ ضمن تسلسل هرمي، بينما تضع السياسة البرلمانية المواقف أمام الخلاف العلني والتفاوض الائتلافي والتدقيق العام. وقد يُطلب من السياسي شرح التسويات بالقدر نفسه من العناية التي يشرح بها مبادئه. وتظل قدرة فينتر واستعداده لإدارة هذه المطالب المتعارضة موضع تقييم ديمقراطي، ولا يمكن افتراضها استناداً إلى رتبته السابقة.

ساحة يمينية مكتظة

لم يدخل فينتر الساحة السياسية في فراغ. فالناخبون اليمينيون في إسرائيل أمام عدة أحزاب تقدم توليفات مختلفة من السياسات الأمنية، ومواقف من العلاقة بين الدين والدولة، واتجاهات متنوعة تجاه نتنياهو. وكان على تنظيمه الجديد أن يثبت اختلافه عن هذه البدائل بما يتجاوز السيرة الشخصية لمؤسسه.

وكانت أبرز الخلافات تدور حول نسبة الحسم. فقد جادل قادة الأحزاب والمعلقون بشأن ما إذا كان خوض الانتخابات بقائمة مستقلة سيوسع الخيارات المتاحة للناخبين، أم سيمنع بعض الأصوات من إنتاج مقاعد. وجاءت استطلاعات الرأي القريبة من موعد الانتخابات متباينة؛ إذ وضعت بعض القياسات الحزب عند مستوى التمثيل البرلماني، بينما وضعته أخرى دون نسبة الحسم. والاستطلاعات قراءات تستند إلى منهجيات مختلفة وليست نتائج انتخابية، كما تصبح توقعات توزيع المقاعد شديدة التقلب عندما تقترب الأحزاب من الحد القانوني.

ويمثل هذا الغموض سياقاً ضرورياً للجمهور الدولي. فوصف عوفر فينتر بأنه زعيم إسرائيل المقبل سيوحي بنتيجة سياسية لم تتحقق. والأدق وصفه بأنه قائد عسكري سابق يسعى إلى دور قيادي جديد من خلال حزب لم يخض بعد أول انتخابات له.

ويتعلق سؤال آخر بعلاقته بنتنياهو. فقد انتقد فينتر جوانب من أولويات الحكومة القائمة، مع تعريف حزبه بأنه ينتمي إلى اليمين السياسي. وأفادت تقارير علنية بأنه مستعد لدعم نتنياهو لرئاسة الوزراء شريطة تلبية مطالب سياسية. وقد يبدو هذا الجمع متناقضاً فقط إذا عوملت المنافسة السياسية وإمكان التعاون الائتلافي باعتبارهما أمرين متعارضين. ففي النظام البرلماني الإسرائيلي، تتفاوض الأحزاب كثيراً مع بعضها بعد خوض الانتخابات نفسها.

تحدي الحكم بعد انتهاء الحملات

يختلف تأسيس حزب اختلافاً جوهرياً عن إدارة الحكم. فالحملة الانتخابية يمكن أن تركز الاهتمام على عدد محدود من الأولويات، بينما يتعين على الحكومة اتخاذ قرارات في الأمن والرعاية الصحية والبنية التحتية والتعليم والسياسة الاقتصادية والشؤون الخارجية، غالباً في ظل قيود الموازنة واتفاقات الائتلاف.

ودعا حزب فينتر إلى إصلاحات في تجنيد الجيش والسياسة الأمنية والترتيبات القضائية والمساءلة عن أحداث 7 أكتوبر. وتتطلب كل قضية آليات قادرة على الصمود أمام الاختبار التشريعي والإداري. فمن سينفذ السياسة؟ وكيف ستمول؟ وما آليات الرقابة عليها؟ وكيف ستُقاس آثارها غير المقصودة وتُصحح؟

ولا ينبغي النظر إلى هذه الأسئلة باعتبارها اعتراضات موجهة إلى القادمين الجدد وحدهم. فالأحزاب القائمة تقدم أيضاً وعوداً تحتاج إلى التدقيق. غير أن هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة عندما تأتي السمعة المهنية للقائد أساساً من مسيرة خارج المؤسسات المنتخبة.

وأكدت التصريحات الاقتصادية للحزب أهمية المنافسة والواردات وتقليص البيروقراطية، مضيفة موضوعات تتجاوز خلفية فينتر العسكرية. ويتطلب تحديد مدى انسجام هذه المقترحات مع المطالب بزيادة الإنفاق الدفاعي والإنفاق المرتبط بالخدمة قرارات مالية لا تستطيع لغة الحملات وحدها حسمها. ولا يمكن الحكم على أولويات الحكومة إلا عندما تُوفَّق الالتزامات المتنافسة في الموازنات والقوانين.

ما الذي يمثله عوفر فينتر ـ وما الذي لم يُختبر بعد؟

يعكس صعود عوفر فينتر السياسي تطورات متداخلة عدة في إسرائيل: الصدمة والأسئلة المؤسسية التي أعقبت 7 أكتوبر، واستمرار التوترات بشأن الخدمة العسكرية، والجدل حول الدين والهوية الوطنية، واستياء بعض الناخبين من الخيارات الحزبية القائمة.

وهو يدخل هذا النقاش بسيرة عسكرية واسعة على نحو استثنائي. فالسجل نفسه الذي يمنحه خبرة في المؤسسات الأمنية يجلب معه أيضاً جدلاً وتساؤلات حول كيفية ترجمة التفكير العملياتي إلى حكم ديمقراطي. وتضم قائمته الانتخابية ناشطين معروفين وأشخاصاً طبعت الحرب الأخيرة حياتهم، لكنها لم تبن بعد سجلاً برلمانياً يمكن تقييمه.

ويتمثل الاختبار الرئيسي لهذا الانتقال في التمييز بين السمعة الشخصية والأداء العام. فقد منح الجيش فينتر مسؤولية قيادة وحدات وتنفيذ مهام، لكن السياسة ستتطلب منه تبرير مواقفه أمام جمهور أوسع، والتفاوض مع نظرائه، وقبول التدقيق من مؤسسات ومواطنين يختلفون معه.

وبهذا المعنى، لا تمثل قصة عوفر فينتر حكاية ذات نهاية محددة سلفاً. إنها قصة قائد سابق يدخل نظاماً سياسياً مضطرباً في لحظة تتنازع فيها الأطراف على قضايا الأمن والثقة والقيادة. وما يهم تالياً ليس التنبؤ بمن سيقود إسرائيل، بل السجل العملي الذي يمكن في نهاية المطاف إخضاع المرشحين والأحزاب والمؤسسات المنتخبة للمساءلة على أساسه.