نتنياهو يأمر بإزالة بؤر استيطانية في الضفة الغربية تحت ضغط أميركي
اعتقال مستوطنين اثنين على خلفية حصار قُصر وانتقاد المحكمة العليا للحكومة يختبران انتقال الخطاب ضد عنف المستوطنين إلى إجراءات تنفيذية

أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإزالة البؤر الاستيطانية التي أقامها مستوطنون من دون تصريح في أنحاء الضفة الغربية، وفقاً لشخصين مطلعين على القرار، في أكثر الخطوات الملموسة حتى الآن ضمن تحول استمر شهراً من تشديد اللهجة إلى بدء تنفيذ إجراءات ضد عنف المستوطنين. ويشمل الأمر البؤر التي شُيدت من دون موافقة حكومية، فيما أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأنه يستهدف نحو 100 من هذه المنشآت في أنحاء الضفة، غير أن مسؤولين مطلعين على المناقشات قالوا إن التعليمات المباشرة لنتنياهو تركز على 15 إلى 20 بؤرة أُقيمت في المنطقتين "أ" و"ب"، حيث يعيش معظم الفلسطينيين وحيث بلغ قلق واشنطن من اتساع نطاق الظاهرة أشده. ولم يتضح بعد موعد بدء عمليات الهدم؛ إذ غالباً ما أُعيد بناء البؤر التي فُككت في السابق خلال أيام.
وجاء الأمر عقب ضغوط مباشرة من الولايات المتحدة. وقبل يومين من الكشف عنه، أدان السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي مجدداً عنف المستوطنين في قُصر، وهي قرية قرب نابلس لفت حصار استمر شهراً لمنازل فلسطينية الأنظار دولياً خلال أغسطس. ووصف هاكابي هذه الهجمات على مدى أسابيع بأنها "أعمال إرهابية"، مع استمراره في وصف مرتكبيها بأنهم مجموعة صغيرة من المتطرفين لا يتجاوز عددهم بضع مئات؛ وهي صياغة تعكس موقف واشنطن: لهجة أشد من السنوات الماضية، مع الإقرار بأن النفوذ الأميركي المباشر على إجراءات إنفاذ القانون الإسرائيلية لا يزال محدوداً. وأكد وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أمر إزالة البؤر الأحد، رداً على سؤال بشأنه خلال مؤتمر في القدس، قائلاً إن نتنياهو أصدر "تعليمة بإخلاء الأماكن التي أُقيمت في المنطقتين أ وب".
وتحركت المحكمة العليا الإسرائيلية بالتوازي. وانتقدت المحكمة، في حكم أصدرته الأحد، الحكومة والجيش والشرطة لعدم وقف هجمات المستوطنين، وأمرت السلطات الأمنية بالسماح لثلاث عائلات فلسطينية في قرية جلّود قرب قُصر بالعودة إلى منازلها، بعدما أجبرها مستوطنون على مغادرتها. وفي اليوم نفسه، نفذت الشرطة اعتقالاً نادراً؛ إذ احتجزت مستوطنين اثنين من الضفة الغربية، أحدهما يبلغ 18 عاماً ويخدم في الجيش الإسرائيلي، للاشتباه في ضلوعهما في هجوم وقع في قُصر في 29 أغسطس، استولى خلاله عشرات المستوطنين على منزل فلسطيني بينما كانت أسرة بداخله. وقالت الشرطة إن الضباط عثروا في سيارة أحد المشتبه بهما، خلال تفتيشها، على سكين وسكين قابل للطي وغاز مسيل للدموع. وجاء الاعتقال بعد أشهر نادراً ما شهدت ملاحقات قضائية لمستوطنين على خلفية العنف ضد الفلسطينيين؛ إذ خلصت منظمة "يش دين" الحقوقية الإسرائيلية إلى أن نحو 3% من القضايا التي فُتحت بشأن هذا العنف تنتهي بإدانة، فيما قالت منظمة "بتسيلم" إن لائحة الاتهام التي صدرت في أغسطس بحق المستوطن يينون ليفي على خلفية قتل معلم فلسطيني في 2025 كانت أول لائحة اتهام بحق إسرائيلي لقتل فلسطيني في الضفة الغربية منذ أكتوبر 2023.

ويستند أمر إزالة البؤر إلى إعادة تنظيم منفصلة أعلنها وزير الدفاع إسرائيل كاتس في منتصف أغسطس، خلال اليوم السادس من حصار قُصر، عندما أمر الجيش بإعداد خطة لنقل مسؤولية إنفاذ القانون المدني على الإسرائيليين في الضفة الغربية إلى الشرطة الإسرائيلية. وقال كاتس إن دور الجيش يجب أن يكون "محاربة الإرهاب الفلسطيني، والتركيز على حماية الحدود والمجتمعات من التهديدات، لا مطاردة الفتيان على قمم التلال"، في إشارة إلى شبكة المستوطنين غير المنظمة المعروفة باسم "شبيبة التلال"، والتي غالباً ما تُحمّل مسؤولية هذه الهجمات. وقوبلت الخطة باعتراضات غير معتادة من الجيش والشرطة معاً؛ إذ أبلغ رئيس الأركان الفريق إيال زامير المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي بأن من "المستحيل" على الجنود ملاحقة "مجموعة صغيرة تُسيء إلى سمعة المستوطنات"، فيما قال ضابط كبير في شرطة الضفة الغربية لوسائل إعلام إسرائيلية إن المبادرة تهدف أساساً إلى "نقل الانتقادات من اليمين واليسار بشأن هذه القضية من الجيش إلى الشرطة". ووصف وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي تشرف وزارته على الشرطة، عملية النقل بأنها "خطوة مهمة نحو السيادة الإسرائيلية" في الضفة الغربية، بينما وصف نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ الخطوة بأنها "انتهاك صارخ للقانون الدولي" وتمهيد للضم.
وظلت تصريحات نتنياهو العلنية بشأن قُصر محدودة نسبياً. ووصف المستوطنين المتورطين بأنهم "حفنة من مثيري الشغب" يتسببون في "ظلم كبير" للمستوطنين الملتزمين بالقانون، فيما لم يوضح مكتبه تفاصيل أمر إزالة البؤر، بخلاف ما نقله مسؤولون إلى "رويترز". ودألت الدولة في فترات متقطعة على هدم بؤر غير مرخصة، بينما كانت تضفي بأثر رجعي صفة قانونية على بؤر أخرى وتربطها بتمويل حكومي؛ وهو نمط مزدوج تكرر على مدى سنوات، ويستشهد به مسؤولون وقادة مستوطنون وجماعات حقوقية جميعاً سبباً وراء استقبال إعلانات هذا الشهر بالتشكيك، لا باليقين بأن التنفيذ سيتبعها. وتحصي حركة "السلام الآن" الإسرائيلية، التي تتابع نشاط الاستيطان، 340 بؤرة و146 مستوطنة معترفاً بها رسمياً في أنحاء الضفة الغربية، حيث يعيش أكثر من 500 ألف مستوطن بين نحو 3 ملايين فلسطيني.
وتزداد مصداقية أمر إزالة البؤر تعقيداً بفعل أعمال بناء تجري أمام أنظار الجميع. فقد بدأ إنشاء بؤرة جديدة غير مرخصة على أراضٍ فلسطينية بين عقربا وقرية جوريش القريبة، جنوب نابلس، في الوقت الذي كانت فيه أنباء أمر نتنياهو بالإزالة تتداول؛ وهو تزامن تقول جماعات حقوقية إنه يوضح الفجوة بين السياسة المعلنة والتنفيذ على الأرض. وخضعت عقربا لتدقيق منفصل في الأسبوع نفسه؛ إذ أطلقت القوات الإسرائيلية النار على عبد الكريم محمد خضر سليمان، البالغ 28 عاماً، وقتلته في 8 سبتمبر بعد تطويق منزل تحصن فيه عقب مداهمة ليلية قال رئيس بلدية البلدة إن 300 إلى 400 جندي شاركوا فيها. وقال الجيش الإسرائيلي إن سليمان ألقى زجاجة حارقة وعبوة ناسفة بدائية على الجنود، وكان يحمل سكيناً عندما قُتل؛ بينما قال رئيس البلدية إنه كان أعزل ولم يحدث تبادل لإطلاق النار. وأفادت وزارة الصحة الفلسطينية بأن السلطات الإسرائيلية تحتجز جثمانه.

ويحمل توقيت هذه التطورات دلالة سياسية بحد ذاته. فمن المقرر أن تجري إسرائيل انتخابات برلمانية في 27 أكتوبر، ويضم ائتلاف نتنياهو مؤيدين للاستيطان انتقدوا أي حملة على أنشطة المستوطنين، حتى مع ابتعاد أبرز منافسيه السياسيين عن الصياغة المعتادة للائتلاف. وقال رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت خلال مؤتمر في القدس هذا الشهر: "إذا جاء شخص ليحرق منزل عرب أبرياء وهم بداخله، فبالطبع هذا إرهاب يهودي"، وهي لغة اقتربت من لهجة هاكابي أكثر من مواقف شركاء نتنياهو في الائتلاف. وتحصي "بتسيلم" مقتل ما لا يقل عن 1100 فلسطيني، بينهم 240 طفلاً، في الضفة الغربية على أيدي المستوطنين والجنود منذ أكتوبر 2023، وتقدر أن هجمات المستوطنين في 2026 بلغ متوسطها 190 هجوماً شهرياً.
كما ازدادت حدة السياق الدبلوماسي الأوسع. وحذر نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لمجلس السلام لشؤون غزة، خلال منتدى في أبوظبي في 7 سبتمبر، من أن استمرار الجمود بشأن وقف إطلاق النار في غزة، بالتزامن مع تصاعد العنف في الضفة الغربية، يجعل حل الدولتين "مستحيلاً عملياً"، رابطاً بصورة صريحة بين الجبهتين اللتين تدير قوات الأمن الإسرائيلية شؤونهما في الوقت نفسه. وبرز هذا الترابط على الأرض أيضاً؛ إذ واصلت القوات الإسرائيلية تنفيذ مداهمات واعتقالات شبه يومية في أنحاء بلدات الضفة الغربية، حتى في الوقت الذي كان فيه أمر إزالة البؤر يُستكمل. وأفادت جمعية الأسرى الفلسطينيين باعتقال أكثر من 100 شخص خلال الأسبوع الذي سبق قرار نتنياهو، بما يؤكد أن الحملة على البؤر الاستيطانية تجري بالتوازي مع العمليات العسكرية المستمرة ضد الفلسطينيين، لا بديلاً عنها.
ويبقى السؤال المفتوح أمام سكان قُصر وجلّود وترمسعيا، وهي البلدة ذات الغالبية الفلسطينية-الأميركية التي زارها هاكابي في أوائل سبتمبر، هو ما إذا كانت تطورات هذا الشهر تمثل تحولاً حقيقياً أم حلقة أخرى في نمط من الإعلانات التي لا يتبعها تنفيذ. وتتمثل الاختبارات القابلة للقياس في نقاط محددة: هل ستُزال البؤر التي يستهدفها أمر نتنياهو فعلاً وستظل مزالة؟ وهل ستحظى خطة كاتس لنقل المسؤولية إلى الشرطة، التي يفترض أن يقدمها الجيش خلال أسابيع من أمره الصادر في منتصف أغسطس، بالتمويل والكوادر، بدلاً من أن تبقى مجرد إعلان؟ وهل ستتبع اعتقالات قُصر ولائحة اتهام ليفي ملاحقات إضافية، بدلاً من بقائهما استثناءين منفردين؟ وقال هاكابي خلال زيارته إلى ترمسعيا إن الحكومة الإسرائيلية تتحمل مسؤولية سلامة الفلسطينيين؛ وهو ما قاله مسؤولون إسرائيليون لسنوات. لكن هذا الشهر، وللمرة الأولى منذ أشهر، أُتبع هذا التصريح باعتقال وأمر قضائي وتعليمة بالإخلاء، لا بتصريح آخر فحسب.
© {{Year}} HNGN, All rights reserved. Do not reproduce without permission.





















