اليمن - الصراع - إيران - الولايات المتحدة - إسرائيل - الحرب
لم يظهر على سطح الماء في ميناء المخا في اليوم التالي لهجوم الحوثيين على مدينة المخا، التي تسيطر عليها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ومقرها عدن، في 10 أغسطس 2026، سوى جسر الملاحة لسفينة غارقة.

تسببت الحرب الأهلية الطويلة في اليمن بأكبر هزة لأسواق الطاقة العالمية خلال أسابيع، أمس الخميس، عندما اجتاح مقاتلون موالون لإيران مدينة المخا التجارية المطلة على البحر الأحمر، في سيطرة أكدها مسؤولون عسكريون عدة موالون للحكومة اليمنية. ويجرد فقدان الميناء الحكومة المدعومة دولياً من آخر مرفأ تسيطر عليه بالكامل على الساحل الغربي للبلاد، كما يقرّب المتمردين لمسافة نحو 43 ميلاً من أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم، وهو مضيق باب المندب.

مدينة أُخليت قبل سقوطها

انسحبت قوات المقاومة الوطنية، الفصيل المدعوم من السعودية والذي كان يسيطر على المخا بقيادة طارق صالح، قبل ساعات من دخول مقاتلي الحوثي المدينة. ووصف مجلس القيادة الرئاسي اليمني الانسحاب بأنه إعادة تنظيم وليس هزيمة، فيما قال صالح إنه إعادة تموضع متعمدة بهدف إعادة تجميع القوات في مناطق أبعد جنوباً. وبغض النظر عن المبررات الداخلية، سلّم الانسحاب الميناء إلى قوات الحوثي بأقل قدر من المقاومة، وقطع ممراً ساحلياً للإمدادات اعتمد عليه تحالف الحكومة لسنوات.

أسابيع من الضربات مهّدت للسقوط

وكان انهيار الوضع أمس الخميس نهاية لضغوط استمرت شهراً. ووفقاً لمحرر الشؤون اليمنية في قناة الجزيرة، كانت وحدات المتمردين تتقدم من ثلاثة محاور منذ أوائل سبتمبر، عبر ريف تعز، والمنطقة الواقعة جنوب الحديدة، وضواحي المخا في الوقت نفسه. وجاءت الحملة البرية بعد قصف سابق؛ إذ تعرض الميناء والكتل السكنية القريبة لضربات صاروخية وبطائرات مسيّرة يومي 9 و10 أغسطس. ونقلت رويترز عن الجيش اليمني أن الحصيلة بلغت سبعة قتلى، بينهم أربعة جنود وثلاثة مدنيين، و30 جريحاً. فيما أورد مركز ساوث24، وهو جهة رصد مقرها عدن، نقلاً عن مصدر طبي حصيلة مختلفة كثيراً بلغت 11 قتيلاً و32 جريحاً، تركز معظم القتلى بينهم في صفوف عمال الميناء. ولم تُحسم الفروقات بين الرقمين رسمياً، لذلك يعتمد هذا التقرير الحصيلة الأقل التي أوردتها وكالة الأنباء، مع الإشارة إلى التباين بدلاً من ترجيح إحدى الروايتين.

وبعد سقوط المخا، سحبت قوات التحالف الحكومي جنودها باتجاه ذباب، وهي نقطة ارتكاز تطل على جزيرة بريم عبر قناة ضيقة من المضيق. وأفادت تقارير بأن وحدات الحوثي بدأت بدورها استطلاع جزر حنيش القريبة. وكان صالح قد حذر في وقت سابق هذا الشهر من أن سيطرة الحوثيين على بريم ستعني إحكام السيطرة فعلياً على المضيق، وأن عكس هذا الوضع سيتطلب عملية بحرية دولية واسعة متعددة الجنسيات. ووضع رئيس الحكومة اليمنية، رشاد العليمي، المخاطر في إطار دولي لا محلي، محذراً من أن المضيق "لا يمكن أن يتحول إلى مضيق هرمز آخر". كما عرض كبير الدبلوماسيين اليمنيين القضية على مجلس الأمن الدولي، داعياً إلى موقف جماعي أكثر تشدداً إزاء القتال على الساحل الغربي.

لماذا تثير "الاختناقات المزدوجة" اضطراباً في أسواق النفط؟

يتعلق قلق المتداولين بالتوقيت. فقد ظل مضيق هرمز مغلقاً أمام حركة الملاحة لأشهر وسط المواجهة الأوسع مع إيران، بينما تراكمت حركة ناقلات النفط بهدوء في باب المندب كمسار بديل، ما رفع الأحجام اليومية عبره إلى نحو 8.1 مليون برميل خلال الربيع، أي ما يقارب ضعف الكمية التي كان الممر يستقبلها قبل عام، وفق تحليل لأحد أسواق الطاقة. وقبل اندلاع الصراع الأوسع في الشرق الأوسط، كان الممر يتعامل عادة مع ما بين 10 و12 في المئة من النفط المنقول بحراً حول العالم، بحسب التقديرات. وأجرى محللون في معهد مختص بسياسات الشرق الأوسط حسابات لنتائج الإغلاق المتزامن للممرين، وخلصوا إلى احتمال تعرض تجارة بقيمة تصل إلى 10 مليارات دولار يومياً للخطر، واضطراب مسارات نحو ثلث شحنات الحاويات، واحتجاز ما بين خُمس وربع إنتاج النفط الخام والغاز خلف الممرات المغلقة.

أسعار الوقود عند المضخات بدأت تتأثر

كانت مؤشرات أسعار النفط الخام ترتفع بالفعل قبل سقوط المخا. فقد بلغ خام برنت أعلى مستوى له في ستة أسابيع عند 97.70 دولار للبرميل الثلاثاء، بعد هجمات حوثية على منشآت للطاقة في السعودية، وكانت الأسعار تقترب من حاجز 100 دولار بحلول 8 سبتمبر، أي قبل يومين من السيطرة على الميناء التي أضافت علاوة مخاطر جديدة. وفي الولايات المتحدة، قالت رابطة السيارات الأميركية إن متوسط سعر غالون البنزين العادي على مستوى البلاد بلغ 4.15 دولار في 5 سبتمبر، مقارنة بنحو 3.20 دولار في الأسبوع نفسه من العام الماضي. ولم يتوزع التأثير بالتساوي بين المدن الأميركية الرئيسية؛ إذ تجاوز متوسط السعر في كاليفورنيا 5.60 دولار للغالون في أواخر أغسطس، لتكون الأغلى في البلاد، بينما تراوح في نيويورك ونيوجيرسي بين 4.05 و4.17 دولار، وسجل في تكساس وفلوريدا نحو 3.62 و3.85 دولار، أي أقل من المتوسط الوطني. وحذر محللون من أن بدء الناقلات تحويل مسارها حول رأس الرجاء الصالح في أفريقيا، بما يضيف أسبوعاً إلى أسبوعين إلى زمن الرحلة، سيرفع على الأرجح التكلفة في محطات الوقود في كل مكان خلال أسابيع، ما سيقلص الفوارق الإقليمية.

كلفة إنسانية باهظة إلى جانب التداعيات الاقتصادية

وبعيداً عن ممرات الشحن، أدت المعارك إلى نزوح عائلات في أنحاء محافظتي تعز والحديدة، مع فرار سكان من المخا باتجاه عدن وذباب أثناء سقوط المدينة. ولم تنشر منظمات الإغاثة بعد حصيلة موحدة لموجة النزوح الأخيرة، ولا يورد هذا التقرير رقماً محدداً نظراً إلى سرعة تغير الظروف على الأرض.

ومع مواصلة قوات الحوثي الضغط للسيطرة على مزيد من الأراضي على امتداد المضيق، واستمرار القوات الحكومية في إعادة تنظيم صفوفها، لا يتوقع كثيرون انحسار التوتر قريباً، ما يترك شركات الشحن العالمية وسائقي السيارات على بعد آلاف الأميال يراقبون حرباً افترض معظمهم أنها دخلت في حالة سبات.