إيران تتعهد بتصعيد يتجاوز ”الرد المتناسب” مع بلوغ تضخم أسعار المنتجين الأميركي 5.4%
رئيس البرلمان الإيراني يقول إن زمن الردود المتناسبة انتهى، فيما يؤكد مؤشر أسعار المنتجين في أغسطس انتقال تداعيات الحرب مباشرة إلى أسعار الجملة في الولايات المتحدة

دخلت الحرب هذا الأسبوع مرحلة جديدة، ليس بسبب انهيار جبهة واحدة، بل لأن ثلاث جبهات تحركت في وقت واحد. فقد حذر وزير الدفاع الإسرائيلي إيران من أنها قد تواجه ضربات "غير مسبوقة" في حجمها ضد منشآتها للطاقة؛ وسيطرت قوات الحوثيين على ميناء المخا في البحر الأحمر، ما فتح نقطة اختناق بحرية ثانية إلى جانب مضيق هرمز؛ فيما أحالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إيران إلى مجلس الأمن للمرة الأولى منذ عقدين. وكان خام برنت قد تجاوز بالفعل مستوى 100 دولار للبرميل في وقت سابق من الأسبوع بسبب أزمة هرمز وحدها، لكنه استوعب التطورات الثلاثة في سوق تسعّر الآن حرباً تبدو أقل احتواءً مما كانت عليه قبل أسبوع، وذلك بعد أكثر من ستة أشهر على اندلاعها إثر ضربات أميركية وإسرائيلية على إيران أواخر فبراير.
وقال وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس، الخميس، إن الجيش الإسرائيلي "في حالة تأهب ومستعد" لضرب منشآت الطاقة الإيرانية بناء على توجيهات منه ومن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، محذراً من أن "مثل هذه الضربة ستعيد إيران عقوداً إلى الوراء وتزيد زعزعة" الحكومة في طهران. وأضاف كاتس أنه يعتقد أن الشعب الإيراني "يمقت حكومته بشدة" ويريد رؤيتها تسقط. وجاء تحذيره بعد تصريح منفصل لكاتس في وقت سابق من الأسبوع قال فيه إن أي هجوم إيراني على إسرائيل سيقابل "برد قوي... بما في ذلك ضد منشآت الطاقة المركزية فيها"، وبعد أيام من قوله إن إسرائيل ضربت إيران مرتين بالفعل وإنها ستضربها "للمرة الثالثة" إذا اقتضت الضرورة. ويختلف ذلك عن الحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة، كما أن مسؤولين إسرائيليين لم يقدموا تفاصيل إضافية عن تلك الضربات. وكان نتنياهو، الذي زار الأربعاء مواقع إسرائيلية على جبل الشيخ في الأراضي السورية برفقة كاتس، قد قال إن إسرائيل باتت تملك "سيطرة مطلقة" من قمة الجبل إلى نهر اليرموك وساحل البحر المتوسط، مقدماً الوجود هناك باعتباره جزءاً مما تسميه حكومته "حرب النهضة". وكرر نتنياهو تقييمه بأن الحكومة الإيرانية "قريبة جداً" من السقوط، مضيفاً أن "المحور بأكمله سيسقط في نهاية المطاف". ولم يرافق أيّاً من التصريحين دليل على ضربة وشيكة، فيما لم يرد مسؤولون إيرانيون علناً حتى الخميس. ويعود الوجود الإسرائيلي فوق جبل الشيخ إلى انهيار حكومة بشار الأسد في ديسمبر 2024، حين تحركت القوات الإسرائيلية إلى المنطقة العازلة السابقة الخاضعة لمراقبة الأمم المتحدة، وأقامت منذ ذلك الحين مواقع محصنة وأنظمة مراقبة تطل على دمشق، التي تبعد نحو 20 ميلاً عن الموقع الذي كان نتنياهو يقف فيه الأربعاء.
وجاء التهديد في وقت تراجعت فيه مكانة إيران على جبهتين أخريين في آن واحد. فقد سيطرت قوات الحوثيين الخميس على المخا، الميناء الواقع على البحر الأحمر، بعدما كانت قوات الحكومة المدعومة من السعودية، ومنها المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح وألوية العمالقة وقوات درع الوطن، قد احتفظت به أسبوعاً تحت ضغط الهجمات قبل انسحابها باتجاه ذباب، ما دفع خط المواجهة إلى مسافة تقارب 46 كيلومتراً من مضيق باب المندب. وتكتسب هذه الممرات البحرية أهمية مباشرة في أزمة هرمز؛ فمع تراجع حركة العبور في مضيق هرمز إلى جزء بسيط من مستويات ما قبل الحرب بسبب الحصار الإيراني، اعتمدت السعودية على خط أنابيب الشرق-الغرب لنقل الخام إلى ينبع على البحر الأحمر، حيث تبحر الناقلات جنوباً عبر باب المندب أو شمالاً عبر قناة السويس. ويمر عبر هذا المسار الآن نحو 7% من إنتاج النفط العالمي، أي ما يقارب ضعف مستويات العام السابق. وارتفع خام برنت أكثر من 1% إلى 102.4 دولار للبرميل بعد أنباء السيطرة على المخا وحدها، في تذكير بأن الطريق الذي أنشأته الرياض كخيار احتياطي لتجاوز هرمز بات أقرب إلى خط جبهة معادٍ من أي وقت مضى خلال الحرب. وقدرت حصيلة لوكالة فرانس برس، استناداً إلى مصادر من الجانبين، عدد قتلى الهجوم اليمني الذي بدأ قبل أسبوع بأكثر من 500 شخص، معظمهم من المقاتلين، فيما نزحت نحو 1800 أسرة خلال أول 48 ساعة فقط.

وفي تطور منفصل، صوت مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأربعاء بأغلبية 23 صوتاً مقابل 3 لإحالة إيران إلى مجلس الأمن بسبب عدم منحها المفتشين حق الوصول إلى مواقع عُثر فيها على آثار يورانيوم. وهذه أول إحالة من نوعها منذ 20 عاماً، ولم يعارضها سوى الصين وروسيا والنيجر، فيما امتنعت ثماني دول عن التصويت. واستشهد القرار، الذي قدمته فرنسا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة، برفض إيران السماح بدخول منشآت تضررت من الضربات الإسرائيلية-الأميركية في يونيو 2025 ضد برنامجها النووي. وقال مسؤولون غربيون إن آثار اليورانيوم قد تشير إلى أدلة على برنامج أسلحة يُعتقد أن طهران أدارته حتى عام 2003. ووصف سفير إيران لدى الوكالة في فيينا، رضا نجفي، القرار بأنه "أداة سياسية، وليس وثيقة فنية"، وقال إنه أُقر تحت ضغط أميركي، فيما تواصل إيران التأكيد أن برنامجها النووي سلمي بالكامل.
من جهته، وسّع الحرس الثوري الإيراني الأربعاء منطقة الحظر التي أعلنها من جانب واحد حول مضيق هرمز لتشمل أجزاء من خليج عُمان وبحر العرب. وحذر المتحدث حسين موحبي من أن السفن التي تدخل من دون تنسيق ستواجه عقوبات إيرانية، من دون نشر الإحداثيات الدقيقة. وذكرت وسائل إعلام رسمية إيرانية أن الحرس الثوري استهدف ثماني ناقلات نفط وسفينتين أميركيتين وعشر سفن إضافية "غير ممتثلة" أثناء عبورها المضيق الأربعاء. ونفت القيادة المركزية الأميركية ذلك، مؤكدة عدم إصابة أي سفينة حربية أميركية وأن جميع محاولات الهجوم باءت بالفشل. وظل التأكيد المستقل للوقائع محدوداً بتقرير للحكومة العراقية أفاد بإصابة ناقلة ترفع علم بنما قبالة سواحل العراق من دون وقوع إصابات، وبإفادة مراقب ملاحي بريطاني عن حوادث غير محددة شملت سفناً في شمال الخليج وخليج عُمان. وجاءت هذه التطورات بعد ضربات أميركية ليل الثلاثاء دمرت خمس ناقلات إيرانية أخرى، ليرتفع إجمالي الناقلات المدمرة خلال الأسبوع إلى عشر، وبعد وابل صاروخي إيراني على قاعدة أميركية في الأردن، قالت القوات المسلحة الأردنية إنها اعترضته 18 مرة، فيما سقط صاروخان في مناطق غير مأهولة. وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن إيران ستواصل خسارة الناقلات "في كل مرة" تستهدف فيها سفينة حربية أميركية، مستشهداً بنسبة تطبقها القيادة المركزية تقارب تدمير ثلاث ناقلات مقابل كل هجومين يتم إحباطهما. كما فرضت وزارة الخزانة عقوبات على 36 كياناً، شملت جميع شركات الطيران الإيرانية المتبقية، ضمن حملة تسميها الإدارة "عملية المنبوذ الاقتصادي". ولم تؤكد واشنطن أو تنفِ صراحة ادعاء منفصل للحرس الثوري عن الاستيلاء على غواصة أميركية مسيّرة قرب مدخل المضيق. وزادت لهجة إيران تشدداً الخميس. وقال محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني وكبير مفاوضي البلاد، في كلمة نشرها عبر "تلغرام"، إن "زمن الردود المتناسبة انتهى"، في إشارة إلى تحول متعمد في قواعد الاشتباك المعلنة من جانب طهران. وحذر مسؤول إيراني رفيع بشكل منفصل من أن بلاده "مستعدة لصراع أكثر حدة"، وأن استمرار الضربات الأميركية على الأراضي الإيرانية سيقابل برد أقوى. ووصفت وزارة الخارجية الإيرانية الضربات الأميركية على الناقلات بأنها "جريمة حرب" وانتهاك لميثاق الأمم المتحدة، وهي عبارات تتجاوز توصيف "الدفاع عن النفس" الذي استخدمته طهران منذ فبراير.

وفي الداخل الإيراني، باتت كلفة مواصلة الحرب على ثلاث جبهات أكثر صعوبة على الحكومة في إخفائها. فقد تضاعف هذا الشهر سعر البنزين للمستهلكين المحليين من الفئات ذات الاستخدام الكثيف، ليصل إلى ما يعادل نحو 7 سنتات للتر فوق الحصة الشهرية، في ثاني زيادة من هذا النوع منذ ديسمبر، وذلك في بلد أشعلت فيه زيادة أسعار الوقود عام 2019 احتجاجات واسعة وحملة قمع أفادت تقارير بأنها أودت بحياة أكثر من 300 شخص. وبلغ استهلاك الوقود المحلي مستوى قياسياً عند 145 مليون لتر يومياً، مقابل قدرة تكريرية تبلغ 122 مليون لتر، فيما سجل الريال أدنى مستوى له على الإطلاق مقابل الدولار. وقالت شركة المطارات الحكومية الإيرانية إن 27 مطاراً تضررت خلال المراحل السابقة من الحرب، كما تعرضت أنظمة الرادار والملاحة لضربات جديدة منذ انهيار وقف قصير لإطلاق النار في يونيو. وبلغت حصيلة البنتاغون الخاصة بالمصابين في ما يسميه "العمليات الخارجية" في الشرق الأوسط ما لا يقل عن 403 جرحى و18 قتيلاً منذ فبراير. وأكدت إيران مقتل سبعة من أفرادها في الحملة الأميركية التي بدأت خلال عطلة نهاية الأسبوع بمناسبة عيد العمال، فيما تواصل طهران الاستشهاد بضربة على جنوب إيران تقول إنها أصابت حفل زفاف وأودت بحياة خمسة مدنيين، باعتبارها سبباً لتوسيع ردها؛ وهو ادعاء قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إنه "يشكك فيه بشدة".
ولم يحقق المسار الدبلوماسي الذي كان يمكن أن يوفر لإيران بديلاً عن تحمل الضغط على ثلاث جبهات نتائج تذكر حتى الآن. وقال مسؤولون إيرانيون هذا الأسبوع إن المفاوضات مع عُمان بشأن ممر مؤقت للسفن عبر مضيق هرمز وصلت إلى "مرحلتها النهائية"، وإنه سيتم تسجيلها لدى المنظمة البحرية الدولية خلال أيام، لكن لم يتم تأكيد تقديم أي طلب من هذا النوع، حتى مع مضي إيران في توسيع منطقة الحظر التي كان من المفترض أن يساعد الممر السفن على تجنبها. وقالت وزارة الخارجية القطرية إنها تعمل بكثافة مع شركاء دوليين، بينهم الصين، لاستئناف حوار أوسع، بعد لقاء رئيس الوزراء القطري وزير الخارجية الصيني في بكين. وتشتري الصين نحو 45% من النفط الإيراني، وفق تقدير للحكومة الأميركية، وقد رفضت دعوات أميركية للحد من هذه التجارة. وأرسلت كوريا الجنوبية فريقاً لتقصي الحقائق لتقييم الأوضاع في المضيق، وقالت حكومتها إنها ستدرس الانضمام إلى عمليات بحرية إذا سمحت الجاهزية بذلك، وهي خطوة حذرت وزارة الخارجية الإيرانية من أنها ستعد دعماً مباشراً لـ"الطرف المسؤول عن الحرب".

ولم ينتظر الجانب الاقتصادي للصراع حتى تلحق به التطورات العسكرية. فقد استقر خام برنت عند 101.21 دولار للبرميل الأربعاء، في أول إغلاق له فوق 100 دولار منذ يوليو، وتداول قرب 102 دولار الخميس تحت وطأة أزمة هرمز وأخبار المخا معاً، فيما جرى تداول الخام الأميركي القياسي فوق 96 دولاراً. وبلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 4.22 دولار للغالون، فيما سجل الديزل مستوى قياسياً عند 5.94 دولار، ويرتبط كلاهما مباشرة بالاضطراب الذي أصاب الشحن في الخليج على مدى سبعة أشهر من الحرب. كما انخفض مخزون الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي من النفط إلى أقل من 300 مليون برميل، أي بأكثر من 100 مليون برميل عن مستواه في بداية العام. وكان متوقعاً أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة للمرة الثانية هذا العام الخميس، فيما استشهد اقتصاديون بصدمة الطاقة باعتبارها أحد محركات التضخم في منطقة اليورو، الذي بلغ 3.3% في أغسطس. وأكد مؤشر أسعار المنتجين الصادر الخميس ما كانت أسعار الطاقة قد أظهرت بوادره: فقد بلغ المؤشر في أغسطس 5.4% على أساس سنوي، مرتفعاً بقوة من 4.7% في يوليو وبواقع 0.1 نقطة مئوية فوق التوقعات، فيما ارتفع وقود الديزل وحده 24.1% خلال شهر واحد، في أوضح انعكاس إحصائي حتى الآن لانتقال تداعيات الحرب إلى أسعار الجملة الأميركية. وسيمنح مؤشر أسعار المستهلكين الصادر الجمعة مجلس الاحتياطي الفيدرالي آخر قراءة تضخم رئيسية قبل اجتماع 15 و16 سبتمبر لاتخاذ قرار بشأن الفائدة. وتحركت الأسواق بعد صدور مؤشر أسعار المنتجين، إذ ارتفعت عوائد سندات الخزانة وتعزز الدولار. وترتبط هذه البيانات مباشرة بالتداعيات السياسية الداخلية التي أثارها الرئيس دونالد ترامب هذا الأسبوع عندما قال إن أسعار النفط لن تنخفض قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، في إطار زمني يفترض استمرار حرب تتسع جغرافيتها هذا الأسبوع بدلاً من انحسارها.
وما يربط الجبهات الثلاث ليس التنسيق بقدر ما هو تزامن التطورات. فتهديد إسرائيل يستهدف البنية التحتية للطاقة نفسها التي يسعرها سوق النفط باعتبارها معرضة للخطر؛ وتقدم الحوثيين يهدد طريق التصدير الذي أنشأته السعودية تحديداً للالتفاف على الحصار الإيراني المفروض على مضيق هرمز؛ أما إحالة الوكالة الدولية للطاقة الذرية فتجرد إيران من الغطاء الدبلوماسي في اللحظة ذاتها التي يتعرض فيها وضعها العسكري لضغط على ساحلين في وقت واحد. وبالمقابل، ضاقت مساحة المناورة أمام طهران: فالمسار الدبلوماسي الذي تقول إنه أوشك على الانتهاء لم ينتج وثيقة موقعة، وزيادة أسعار الوقود محلياً أعادت إلى الذاكرة أعنف اضطرابات العقد الماضي، فيما يتقدم حليفها الميداني الأبرز، الحوثيون، نحو مضيق لا تسيطر عليه إيران، بينما تظل قواتها البحرية محصورة في مضيق تسيطر عليه. وستحدد كيفية رد طهران — سواء بالتصعيد أكثر، أو التراجع نحو المسار الدبلوماسي الذي أبقته عُمان وقطر مفتوحاً اسمياً، أو تحمل الضغط كما تحملت الضربات التي أشعلت الحرب — ما إذا كان هذا الأسبوع يمثل نقطة تحول أم حلقة أخرى في حرب أفرزت بالفعل عدة نقاط تحول.
© {{Year}} HNGN, All rights reserved. Do not reproduce without permission.





















