غارات سعودية على اليمن مع تقدم الحوثيين نحو باب المندب.. أكثر من 500 قتيل
مع إغلاق مضيق هرمز، يمر النفط السعودي عبر ينبع والبحر الأحمر، فيما يضع تقدم الحوثيين نحو المخا هذا المسار، الذي يعبره 7% من النفط العالمي، في مرماهم

قال متحدث باسم الحوثيين، الأربعاء، إن القوات المدعومة من السعودية شنت خلال الليل 32 غارة جوية على محافظات تعز والحديدة والجوف ومأرب في اليمن، وذلك بعد يوم من شن الجماعة المتحالفة مع إيران أعنف هجوم لها على السعودية منذ سنوات، ما أدى إلى إصابة 73 شخصاً وتعليق العمل مؤقتاً في منشآت نفطية جنوب المملكة. ويشير تبادل الضربات إلى انهيار ما تبقى من هدنة استمرت أربعة أعوام، ويحوّل الساحل الغربي لليمن إلى نقطة اختناق ثانية متنازع عليها في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، بما يهدد الآن مسار تصدير النفط الذي اعتمدت عليه السعودية منذ إغلاق إيران مضيق هرمز في فبراير.
وقال المتحدث باسم الحوثيين نصر الدين عامر، في منشور على منصة "إكس"، إن الغارات استهدفت مواقع في المحافظات الأربع، من دون ورود تقارير فورية عن سقوط ضحايا، فيما لم ترد السلطات السعودية على طلبات للتعليق. وكانت قناة "المسيرة" التابعة للحوثيين قد أفادت في وقت سابق بشن غارات سعودية على تعز ومأرب خلال ساعات من هجمات الثلاثاء على المملكة. واتهمت الجماعة، الاثنين، الرياض بقصف سجن في الحزم، عاصمة محافظة الجوف، وقالت وزارة الصحة التابعة لها إن القصف أسفر عن مقتل سبعة أشخاص، بينهم طفل كان يزور المنشأة، وإصابة سبعة آخرين. ولم يتسن التحقق من هذا الادعاء بشكل مستقل. وتكررت الغارات على مواقع الاحتجاز خلال الحرب المستمرة في اليمن منذ عقد؛ إذ أسفرت غارة شنها تحالف تقوده السعودية على سجن في صعدة عام 2022 عن مقتل 87 شخصاً على الأقل.
وجاء الرد السعودي عقب وابل من الصواريخ والطائرات المسيّرة أطلقه الحوثيون في وقت مبكر الثلاثاء، ووصفه المتحدث العسكري باسم الجماعة بأنه "عملية واسعة". وشملت الأهداف، بحسب الإعلام الحوثي، مطار أبها الدولي وقاعدة الملك خالد الجوية ومنشآت تابعة لأرامكو في أبها وجازان. وقال التحالف الذي تقوده السعودية إن مواقع مدنية في أبها وخميس مشيط وجازان ونجران تعرضت للقصف، وإن النساء والأطفال كانوا بين المصابين. وتستضيف جازان، الواقعة على ساحل البحر الأحمر شمال الحدود اليمنية مباشرة، إحدى أكبر مصافي المملكة، بطاقة تكريرية تبلغ نحو 400 ألف برميل يومياً. وقال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، خلال مؤتمر صحفي في موسكو إلى جانب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إن الحوثيين "فتحوا على أنفسهم باباً لا يستطيعون تحمّل تبعاته"، مؤكداً في الوقت نفسه أن باب الدبلوماسية لا يزال مفتوحاً. وأدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش والاتحاد الأوروبي واللجنة الدولية للصليب الأحمر الهجمات، وحذرت اللجنة من أن القتال يهدد بـ"مزيد من اتساع نطاق الصراع في المنطقة".
بدأت الحرب البرية التي أفضت إلى هذا التصعيد الخميس الماضي، عندما شن الحوثيون هجوماً عبر غرب تعز وجنوب الحديدة باتجاه ميناء المخا ومضيق باب المندب. ووفق حصيلة أعدتها وكالة فرانس برس استناداً إلى مصادر من طرفي القتال، تجاوز عدد القتلى 500 شخص، معظمهم من المقاتلين. وشنت القوات الموالية للحكومة هجمات مضادة حول الكدحة، غربي مدينة تعز، وفي مديرية حيس جنوب الحديدة. وقالت الحكومة المعترف بها دولياً إن طائراتها الحربية قصفت مواقع للحوثيين في البرح، على الطرف الغربي من مأرب، وفي الجوف. وفي المقابل، أعلن الحوثيون إسقاط ثلاث طائرات مسيّرة سعودية خلال 24 ساعة. وامتد القتال، الذي تركز في البداية على هاتين الجبهتين، إلى الضالع ومأرب والجوف والبيضاء، ما دفع مئات الأسر إلى النزوح. ودعا المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ، الاثنين، جميع الأطراف إلى وقف الأعمال القتالية والتحلي "بأقصى درجات ضبط النفس"، محذراً من أن التصعيد قد يتحول إلى حرب شاملة.

ولا يسيطر الحوثيون على الشريط الساحلي المطل على المضيق، لكن مواقعهم تبعد أقل من 100 كيلومتر عنه، وهو ما يوضح سبب تجاوز أهمية الهجوم البري حدود اليمن. فمنذ إغلاق إيران مضيق هرمز، تنقل السعودية نفطها الخام غرباً عبر خط أنابيب الشرق-الغرب الممتد لمسافة 1,200 كيلومتر من بقيق إلى ينبع على البحر الأحمر، ويعمل الخط بطاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً. كما تشحن المملكة عبر ينبع ما متوسطه بين 4 و5 ملايين برميل يومياً، مقارنة بأقل من مليون برميل يومياً قبل عام. ويتعين على كل ناقلة تُحمّل في الميناء الإبحار جنوباً عبر باب المندب للوصول إلى الأسواق الآسيوية، أو شمالاً عبر قناة السويس. وتُظهر بيانات "كبلر" أن كميات المنتجات النفطية التي عبرت المضيق بلغت 7.4 مليون برميل يومياً في يونيو، أي نحو 7% من الإنتاج العالمي وما يقرب من مثلي مستواها في العام السابق.
واستهدف الحوثيون هذا المسار منذ يوليو، عندما أعلنوا حصاراً بحرياً على السعودية وبدأوا مهاجمة السفن المرتبطة بها. وخلال أيام من إعلان الحصار، غيرت ناقلتان تحملان 2.8 مليون برميل من نفط ينبع إلى آسيا مسارهما في البحر الأحمر، فيما انخفضت عمليات الشحن الظاهرة من الميناء بما لا يقل عن 30% خلال أسبوع واحد، رغم أن بعض المحللين عزوا جزءاً من التراجع إلى تحول بعض الناقلات إلى الإبحار مع إيقاف أجهزة التتبع. كما استهدفت الجماعة مصفاة جازان، وضربت بقيق نفسها أواخر يوليو، ما أدى إلى تعليق مؤقت للعمل في المنشأة التي كانت تاريخياً تعالج أكثر من نصف صادرات السعودية، وتغذي حالياً خط الأنابيب المتجه غرباً. وتمثل ضربات الثلاثاء على جازان وأبها استمراراً لهذه الحملة، لا خروجاً عليها؛ لكن الجديد هو أن الحوثيين يحاولون الآن السيطرة على أراض تقع ضمن مدى استهداف المضيق، بدلاً من محاولة الوصول إليه بالطائرات المسيّرة.
ولا تأتي الصلة بالمواجهة في مضيق هرمز من قبيل المصادفة. وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الثلاثاء، إن "اليد الإيرانية" تقف وراء هجمات الحوثيين، واصفاً الجماعة بأنها "عملاء ووكلاء" لطهران، وأحال مسؤولية أي رد إلى التحالف الذي تقوده السعودية والمؤلف من 14 دولة. وأضاف أنه لا يتوقع أن تعلن وزارة الدفاع الأميركية مشاركة الولايات المتحدة. ويترك ذلك الرياض، التي دعت علناً الأسبوع الماضي إلى خفض التصعيد مع إيران والعودة إلى المفاوضات، في مواجهة وكيل للخصم نفسه على حدودها الجنوبية، بينما يجري دبلوماسيوها في أبوظبي وموسكو تقييماً لمدى اتساع مظلة الأمن الأميركية. وتعاملت أسواق النفط مع الجبهتين باعتبارهما مرتبطتين؛ إذ تجاوز خام برنت 100 دولار للبرميل الأربعاء، وحذرت غولدمان ساكس من أن استمرار الهجمات في الخليج والبحر الأحمر قد يدفع السعر إلى أكثر من 120 دولاراً.

تعود الحرب اليمنية إلى عام 2014، عندما استولى الحوثيون على صنعاء، ما دفع السعودية إلى قيادة تدخل عسكري في العام التالي. وأسهمت هدنة برعاية الأمم المتحدة في عام 2022 إلى حد كبير في تجميد خطوط القتال، فيما أدت حملة الحوثيين اللاحقة ضد الملاحة في البحر الأحمر على خلفية حرب غزة إلى شن غارات أميركية وبريطانية، من دون إعادة فتح الجبهة مع السعودية. لكن ذلك تغير في يوليو، عندما أطلق الحوثيون صواريخ وطائرات مسيّرة على أبها عقب هجوم على مطار صنعاء، ثم أعلنوا الحصار البحري. وتقول القوات الحكومية إن الهدف النهائي لحملتها هو استعادة العاصمة، وهو هدف من شأن السعي لتحقيقه أن يمدد القتال إلى ما هو أبعد من الساحل.
أما السؤال الأكثر إلحاحاً في الوقت الراهن، فهو ما إذا كان يمكن وقف تقدم الحوثيين قبل بلوغ المخا. فقد احتوت القوات الحكومية الهجوم عند الكدحة وحيس لعدة أيام، بدعم جوي سعودي ويمني، فيما تشير إعلانات الحوثيين عن إسقاط طائرات مسيّرة إلى أن التحالف يكثف طلعاته فوق الجبهة الغربية. وإذا صمد الخط، فسيظل المضيق مفتوحاً ويستمر تدفق النفط السعودي في ظل تهديد متصاعد لكنه مألوف. أما إذا لم يصمد، فإن مسار البحر الأحمر الذي أبقى أكبر مصدر للنفط في العالم قادراً على مواصلة أعماله خلال إغلاق مضيق هرمز سيصبح على مرمى مدفعية قوة أعلنت بالفعل أنه هدف لها.
© {{Year}} HNGN, All rights reserved. Do not reproduce without permission.





















